محمد جواد مغنية
46
في ظلال نهج البلاغة
أعلى الأصوات في نهج البلاغة : ( واعلموا أنه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار إلخ ) . . لا تكاد تمر خطبة من خطب النهج إلا وتقرأ فيها واحدا من ثلاثة ، أو اثنين ، أو هي مجتمعة : ذكر اللَّه سبحانه بالحمد وتعظيمه بأسمائه الحسنى ، وصفات الكمال ، وذكر رسول اللَّه ( ص ) والثناء عليه بالمقام المحمود عند اللَّه ، وبما أسداه للإنسانية من نور وهداية ، والثالث الحديث عن الدنيا وغرورها ، والموت وسكرته ، والقبر ووحشته ، والحشر وأهواله ، والحساب ونقاشه ، والعذاب وشدته . . فأي موضوع يتحدث عنه ينتقل منه - في الغالب - إلى التحذير والتخويف من الدنيا والآخرة معا . شرحت أول خطبة تضمنت هذا الموضوع ، شرحت وفسرت بما تهيأ لي من صياغة وتركيب ، وجاءت الثانية ، وفيها نفس الموضوع بأسلوب آخر ، فشرحتها بأسلوب آخر ، ثم الثالثة والرابعة . . إلى عشرات ، فوقفت حائرا : هل أكرر ما سبق ، كما فعل غيري من الشارحين ، أو أحيل على ما تقدم ، أو أشرح بأسلوب عاشر أو حادي عشر ومن أين « فأفنيت علاتي فما ذا أقول » وقد أكرر مع التلخيص أو أحيل ، أو أتكلف وأتعسف . ان في كتاب اللَّه العديد من الموضوعات ، ومنها الدنيا وزخرفها ، والجنة ونعيمها ، والنار وجحيمها ، وكذلك نهج الإمام ، كما أشرت في المقدمة ، ولكن التخويف من عذاب اللَّه هو أعلى الأصوات في خطب النهج ، وأكثرها قسوة وحماسا ، وما التخويف والتحذير من الدنيا إلا وسيلة لاتقاء عذاب اللَّه . . إن صوت النهج وهو يتحدث عن هذا العذاب يهزك من الأعماق ، وتحس معه كأنك في قلب الجحيم ، والسر ان الإمام يشارك الناس ، كل الناس ، في آلامهم ، ويشفق عليهم من نار اللَّه ، وهو أعلم بها وبحقيقتها حتى كأنه يقاسيها ويعانيها ، وهو في الحياة الدنيا . بهذا وحده نجد التفسير الصحيح لكلمات الإمام اللاهبة ، وهو يتحدث عن غضب اللَّه وعذابه . . انه يشفق على هذا الجسم الضعيف ، والجلد الرقيق ، تدميه العثرة ، وتؤلمه الشوكة ، وتحرقه حرارة الشمس ، فكيف يكون حاله إذا أوقدت النار من فوقه ومن تحته . يسخرها مالك الموكل بها ، ويزجرها بغضبه فترمي